المقالات

أصول التفاوض على عقد الاحتراف الرياضي

أصول التفاوض على عقد الاحتراف الرياضي

بقلم/ المحامي علي محمد كاظم (عضو جمعية المحامين البحرينية..

اتَّخذ الاحتراف المجال الرّياضي كأحد الأبواب التي توسع منها وارتبط بها وتطورت الكثير من الرِّياضات خلاله، وأصبحت الكثير من الدُّول تأخذ الاحتراف الرِّياضي كأساسٍ لا يمكن غضُّ البصر عنه في الرِّياضات الممارسة فيها، وشرَّعت القوانين وسنَّت اللّوائح المنظمة لهذه الصُّورة من صور الاحتراف، وقد أوجبت من خلالها على الأطراف إبرام عقد الاحتراف والذي من دونه لا يستطيع الممارس للرّياضة أو النَّشاط المتعلق بها إطلاق لفظ المُحترِف على نفسه، ومن بين تلك التشريعات هو المشرع البحريني عندما جاء مشرعاً الاحتراف الرياضي بموجب القانون رقم (8) لسنة 2021، والذي أجاز العمل بالاحتراف في المجال الرياضي، وبعد أن جاء مُسمياً لعقد الاحتراف الرياضي ومُعرِفاً إياه بأنه: "اتفاق يتم بين الرياضي المحترف والجهة المتعاقد معها يتعهد فيه الرياضي المحترف بتقديم أيّ من الخبرات الإدارية والفنية والقدرات الذهنية والبدنية للجهة المتعاقِد معها وفْق آلية ووقت عمل محدَّدين مقابل أجر مالي متفَق عليه".

وإنَّ عقد الاحتراف الرّياضي كغيره من العقود يُعدُّ التَّراضي فيه هو أساس مشروعيته وقيامه، فالتَّعاقُد بين الأطراف لا يتم دون توافر الإرادة والتَّصريح بها، حيث يتحقق التَّراضي بمجرد التَّصريح والتعبير عن إرادات الأطراف التي يشترط فيها التَّطابق، وهو ما قرره الفقه بتعريفه للعقد بأنَّه "توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثرٍ قانونيّ معينٍ أيا كان هذا الأثر القانوني؛ أي سواء أكان ذلك متمثلا في إنشاء الالتزام، أم نقله، أم تعديله، أم إنهائه"، وإن القانون أعطى الأفراد مطلق الحريَّة في التَّعاقُد من عدمه بإعماله مبدأ سلطان الإرادة في العقود، وبناءً على ذلك، فإن الرِّياضي المُحترِف والهيئة الرياضيَّة قبل التَّعاقُد يدخلان في مرحلة التَّفاوض فيما بينهما، وذلك من أجل الوصول إلى اتِّفاق طبقًا لإرادتهما، وإن اللوائح الوطنية والدولية الخاصة بأوضاع وانتقالات الرياضيين حددت الأسس والأصول لمرحلة التفاوض نظراً للحساسية التي يتمتع بها عقد الاحتراف الرياضي.

لعل من أهم أسباب اللجوء للتحكيم كوسيلة لفض النزاع، ما يميزه بأنه يتم في سرية تامة وبعيدًا عن آذان المتشوقين لنقل الأخبار والقصص التي تجري علناً في باحات المحاكم. فالسرية أمر مهم يعنى به التجار خاصة لأهمية سمعتهم التجارية، ولعدم نشحيث تُعدُّ مرحلة التَّفاوض من المراحل المُهمَّة التي تسبق عمليَّة إبرام العقد، فهي التي من خلالها يتعرف الأطراف على غاية كل منهما من التَّعاقُد، فيقوم الأطراف خلالها بالتواصل وطرح المقترحات وبيان وجهات النظر حول مضمون العقد، فالتفاوض لا يُعدُّ ايجابًا وهو عمل مادي غير ملزم ولا يرتب ثمة أثرًا قانونياً، وأن قطع التَّفاوض وعدم المواصلة فيه لا يرتب أي مسؤوليَّة عقديَّة على طرفيه، وذلك بسبب عدم وجود عقد فيما بينهما، إلا إذا كان قطع المفاوضات ناتجًا عن سوء نيَّة أحد المتفاوضين، فإنه في هذه الحالة تثور أحكام المسؤوليَّة التقصيريَّة، وهو ما استقرت عليه أحكام محكمة التمييز البحرينية. ويُعرِّف التَّفاوض في العقود بأنَّه: "عمليَّة تقديم المقترحات والنظر فيها لحين تقديم عرض مقبول من أحد الأطراف وقبوله من الطَّرف الآخر، وهو ما يُقصَد به أنَّه كل اتصال وتواصل بين طرفين أو أكثر، أيَّا كانت طريقته سواء أكانت شفوية، أم كتابيَّة، أم بواسطة وسيلة إلكترونيَّة، أم غيرها من الوسائل بقصد التوصل إلى أفضل الشُّروط التَّعاقُديَّة التي تهدف لتحقيق مصلحة أطراف العقد وتحدد التزامهم وتبين حقوقهم، ويرتكز مفهوم التفاوض في عقد الاحتراف الرياضي على مبدأ حرية الإرادة والتعاقد، فلكل طرفٍ الحريَّة في البحث عن الشُّروط المناسبة له في العقد وله أن يقبلها أو يرفضها، وأن الأطراف في مرحلة التَّفاوض غير ملزمين بالاستمرار في هذه المرحلة حتى نشوء العقد بينهما؛ لأن كل طرف حر في إبرام التَّعاقُد من عدمه.

ومن أصول بدء التَّفاوض في الاحتراف الرِّياضي هو احترام العلاقة القائمة ما بين الرِّياضي المُحترِف والهيئة الرياضيَّة التي يُمارِس النَّشاط الرّياضي من خلالها ولمصلحتها، فبهذا الشأن أوجبت لوائح الاتَّحاد الدَّولي لكرة القدم الهيئة الرياضيَّة التي ترغب في مفاوضة الرِّياضي المُحترِف من أجل توقيع عقد احترافٍ معه بأن تبلغ الهيئة الرياضيَّة الحاليَّة كتابةً قبل شروعها في التَّفاوض مع الرِّياضي المُحترِف، وذلك أيضاً ما اتبعته اللوائح الوطنية ومنها على سبيل المثال: لائحة الاحتراف والانتقالات وأوضاع اللّاعبين لكرة السلة البحرينيَّة والتي فرضت التزاماً على النَّادي الجديد بإخطار نادي اللّاعب الحالي كتابيًا قبيل بدء التَّفاوض أو التَّعاقُد مع نادٍ آخر قبل ثلاثة أشهر من انتهاء العقد. وهو ما يعني أنَّه إذا ما كان الرِّياضي المُحترِف يُمارِس النَّشاط الرِّياضي لحساب هيئة رياضيَّة، فإنه لا يحق للنَّادي الرّياضي أو الهيئة الرياضيَّة الجديدة بأن تبدأ مرحلة التَّفاوض مع اللّاعب إلا بعد إخطار ناديه الحالي كتابةً برغبته في التَّفاوض مع الرِّياضي المُحترِف وحصول النَّادي الجديد على موافقة النَّادي الحالي بشأن إمكانيَّة التَّفاوض مع الرِّياضي المُحترِف. وفي حال عدم حصول النَّادي الجديد على موافقة التَّفاوض مع الرِّياضي المُحترِف وأصر على عمليَّة التَّفاوض، فإنه في هذه الحالة يُعدُّ فعله تحريضًا للّاعب على الخروج من النَّادي الحالي والانضمام له، مما يجعله عرضةً للجزاء بحسب اللوائح الدولية والوطنية.

ومن الجزاءات التي قررتها لائحة الاحتراف والانتقالات وأوضاع اللّاعبين لكرة السلة البحرينيَّة على النادي الرياضي في حال قام بالتفاوض مع أحد اللاعبين المحترفين خلافاً لأحكام اللائحة، وجعلت العقوبة إما الإنذار الخطي، أو الغرامة المالية التي لا تزيد عن ثلاثة آلاف دينار بحريني، أو الحرمان من تسجيل لاعبين جدد، أو الخصم من نقاط الفريق بما لا يقل عن نقطتين ولا يزيد عن أربع نقاط على أن تعتمد من مجلس إدارة الاتحاد البحريني لكرة السلة، أو تنزيل الفريق من الدرجة الأولى إلى الدرجة الأدنى على أن يعتمد ذلك مجلس إدارة الاتحاد البحريني لكرة السلة. وحيث إنَّ التَّفاوض على عقد الاحتراف الرِّياضي ينتهي بقوة القانون بمجرد صدور الإيجاب؛ إذ تكون المفاوضات في هذه اللحظة قد حققت الهدف منها وهو إيصال الأطراف إلى الاتَّفاق على المسائل الجوهريَّة للعقد الذي تسعى الأطراف لإبرامه، وبذلك تنتهي مرحلة التَّفاوض على العقد وتبدأ مرحلة إبرامه، من خلال صدور الإيجاب من أحد الأطراف متضمنًا لما تم الاتِّفاق عليه في مرحلة التَّفاوض إلى الطَّرف الآخر، وباقترانه بقبول الأخير، فإن العقد يكون قد انعقد إلا إذا استلزم القانون شكلية معينة.

وممًا تجدر الإشارة إليه بأن مرحلة التَّفاوض هي مرحلة قائمة على مبدأ حسن النيَّة، بوصف أنَّ هذا المبدأ مرتبط بصورة كبيرة بالأخلاق، وأنه يستلزم الجدية في إجراء المفاوضات وهو ما يتم عن طريق النزاهة والصدق في التفاوض، ولما كان عقد الاحتراف الرّياضي من العقود التي تنظم العمليَّة الرياضيَّة، فإنه يتعين في جميع الأحوال توافر حسن النيَّة في جميع المراحل المرتبطة بالعقد نظرًا لما يتمتع به من قيمة. كما أنَّ كل هيئة رياضيَّة لها مطلق الحريَّة في اختيار الرّياضيين المُحترِفين الذي يصبون للتعاقد معهم، إلَا أنَّه يتعين عليهم احترام مبدأ عدم التَّمييز بين الرِّياضيين المُحترِفين، فلا يجوز للهيئة الرياضيَّة رفض التَّعاقُد مع الرِّياضي المُحترِف بسبب الدين، أو العرق، أو المذهب، أو اللون، أو اللغة وغير ذلك، وبشأن مبدأ عدم التَّمييز بين الرّياضيين المُحترِفين، فإنه يرد عليه قيدًا مُهمَّا تقتضيه العدالة الرياضيَّة، ويتمثل هذا القيد في عدم جواز تكوين فريق رياضي واحد يُمارِس اللُّعبة الرياضيَّة من جنسين مختلفين، بحيث يكون الفريق الرِّياضي إمَّا جميعه من الذكور، أو جميعه من الإناث، كما أنَّه ينبغي دائمًا أن يتساوى الرِّياضيون المُحترفون في الجنس، وذلك لضمان مبدأ تكافؤ الفرص وتساوي القدرات البدنيَّة. وعليه، فإنَّ عقد الاحتراف الرّياضي غالبًا ما تسبقه مرحلة التفاوض، والتي يجوز أن يقوم بها الرّياضي المُحترِف بنفسه، والهيئة الرياضيَّة بممثلها القانوني أو بواسطة وكيلها، كما أنَّه وعلى الرَّغم من إعمال مبدأ سلطان الإرادة في مرحلة التَّفاوض، إلَّا أنَّ التَّفاوض يكون مقيدًا بوجوب اتباع ما نصَّت عليه اللَّوائح الدَّوليَّة والوطنيَّة، وإلا تعرض المخالف من المتفاوضين إلى الجزاء المنصوص عليه في تلك اللّوائح، وبذلك يتضح بأن مرحلة التفاوض حول عقد الاحتراف الرياضي تختلف عن غيرها من العقود.

مقالات أخرى


..نحن مجموعة بن يوسف القانونية ذ.م.م يشرفنا انضمامكم إلى قائمة موكلينا حيث نقدم الخدمات التالية

  • • خدمات التوثيق والتنفيذ الخاص
  • • محكّمون قانونيون
  • • محاماة واستشارات قانونية
  • • أعضاء محترفون في وزارة الصناعة والتجارة
  • • عضوية مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون
  • • معتمدون كهيئة مهنية في تأسيس وتصفية وحوكمة الشركات

نبذة عنا

خدماتنا القانونية

معلومات الإتصال

البريد الإلكتروني: info@binyousif.group

رقم الهاتف: 17457775

رقم الموبايل/الواتساب: 38857775 / 39999530

عنوان المكتب: مرفأ البحرين المالي - بوابة المرفأ، الواجهة البحرية، الطابق الثاني. بجانب وزارة الصناعة والتجارة

مواقع التواصل الإجتماعي